يقول الشيخ الطنطاوي في المجلد السابع من ذكرياته
(و ليس في بلاد الناس أسهل من الشراء، يدخل الرجل إلى المخزن فيرى البضائع معروضة و عليها أثمانها، فيختار ما يشاء و يدفع الثمن و يمضي، و لو جاء من بعده أمهر الناس ما استطاع أن يأخذ بثمن أقل و لو جاء أغفل الناس ما أعطي بثمن أكثر.
أما الشراء في بلادنا فهو معركة تحتاج إلى أسلحة شتى، من الكذب أحياناً، و اليمين الكاذبة، و الكر و الفر، و الذهاب و الرجوع، و معرفة أجناس البضتئع، و تحتاج فوق ذلك إلى مفاوضات دبلوماسية أصعب من المفاوضات على نزع السلاح بين أمريكا و السوفييت.
لذلك عودت نفسي من الصغر ألا أقف على بائع و لا أشتري بنفسي شيئاً، لا اللحم و لا الخضرة و لا الثياب و لا الأثاث، و إنما أوكل من يشتري لي . و أنا إن خالفت عادتي رجعت في كل مرة بقصة من أعجب القصص.
من ذلك أني دخلت دكاناً في سوق الحميدية مع صديق لي يحب ان يشتري قماشاً لأهله، فتلقاني صاحب المحل مسلما و معظماً، و أهوى لتقبيل يدي لأني كما يقول أستاذه و صاحب الفضل عليه: أهلاً و سهلاً بسيدنا، يا مرحباً، من علمني حرفاً كنت له عبداً، قل يا يا أستاذ ماذا تأمر لأخدمك بعيوني؟
و لم أكن آمر بشيء ، و لكن هذا المدح و هذا التعظيم و أن الرجل سيخدمني بعيونه قد خدر أعصابي، كما يخدر الصياد الأسد و النمر بإبرة يطلقها عليه أو كما يخدر الحاوي في الهند الحية الخطرة حتى ترقص بين يديه. و الإنسان مفطور على محبة الثناء. فنظرت فاخترت لوناً من الحرير أعجبني ، فسألته عن ثمنه فضحك و قال: أي ثمن؟ محلك يا أستاذ.
فحسبته أنه سيهديه إلي و حلفت ألا آخذ إلا بالثمن، و لكن أطلب أن يبيعني بربح معقول. قال: برأسمالي، لا أريد منك ربحاً أبداً. و راح يحلف بذمته و دينه و أبيه و أمانته و شرف آبائه و عظم أجداده، وما لا أذكر الآن من الأيمان التي لا يجوز أن يحلف بها مسلم، أنه لا يبيعني إلا برأس المال. و كان في داري يومئذ خمس نسوة، عمتي و أختاي و زوجتي و بنتي الكبرى، وبناتي الصغيرات، فاشتريت لهن جميعاً، وبلغ الثمن قريباً من ثلث الراتب.
و ذهبت إلى الدار فقال النساء: متى كنت تشتري؟! و بكم اشتريته؟ قلت : احزرن. قلن: بالله عليك إلا أن قلت. فأخبرتهن بأن الرجل تلميذي و قد خدمني بعيونه فباعني برأس المال و هو كذا. قلن : لقد زاد عليه ثلاثين بالمئة. قلت: مستحيل. قلن: ما قولك إن ذهبت فلانة الآن ( لجارة لهن خياطة) فجاءت بالقماش نفسه من المحل نفسه بحسم ثلاثين بالمئة؟ قلت: أنا أدفع الثمن و أهدي إليها القماش.
و ذهبت من فورها إلى الدكان الذي اشتريت منها، و رجعت بعد ساعة و قد أخذته بثلثي الثمن الذي دفعته أنا، لتلميذي البار الذي حلف أنه لا يبيعني إلا برأس المال)J




