أمي
10 May 2009 !-- بواسطة رحّال
ثلاث حروف جمعت الحب و الحنان، و العطف و الرقة، ثلاث حروف عشت بعيداً عنها لفترةٍ طويلة من الزمن، دراسة في منطقة بعيدة، و انشغالات كثيرة تشغل الانسان عن نفسه، فما بالكم بأهله، ثم وظيفة أيضا في نفس المكان، ويا صبر قلبي على اللقيا و إن بعدت.
جئت يوم الأربعاء إلى مدينة جدة و كانت آخر الأخبار مبشرةً بالخير، حيث أن أمي كانت قد خرجت من المستشفى يوم الثلاثاء و هي على أتم صحةٍ و عافية كما سمعت، وصلت إلى جدة و كلي فرحٌ و استبشارٌ بما سمعت من أخبار، و إذا بي أفاجأ بالعكس تماماً، ضعف كبير في بنية الجسم، صعوبة في الحركة، فقدان تام للشهية، هل هي الأيام الأخيرة، هل ساقني الله للنزول كي أدركها ، و رأيت ذلك في عيون أخوتي، تساؤلات حيرى، و نحن الرجال في المجتمع الشرقي نرهب من إظهار المشاعر ، و تغتالنا كلمة ” عيب… أنته رجال”، خاصة في تلك التي تنم عن ضعف و لين، ويأتي في مقدمتها البكاء و المصارحة بالحب، مع أن المتأمل في سيرته صلى الله عليه و سلم يجد الكثير من تلك المواقف، و على سبيل المثال لا الحصر بكاؤه صلى الله عليه و سلم على ابنه إبراهيم حين توفي ، و منها أيضا ما أخرجه أبو داوود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد معاذ بن جبل وقال يا معاذ والله إني لأحبك والله إني لأحبك فقال أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
انتابني من الحزن ما لا يصفه الواصفون، و غشت قلبي سرابيل الهم، و أسقط في يدي، و إذا أراد الله بعبده خيراً، يسر له من حيث لا يدري و لا يعلم، من يذكره ببعض الأمور التي يعرفها، و لكن تغيب عن باله في مثل هذه الحالات، فبينا أنا في همي و حزني وإذا برسالة من جوال مجلة البيان و إذا نصها يقول: لا يجعل العبد المعيار على ما ينفعه و يضره حبه و بغضه، بل المعيار ما اختاره الله له بأمره و نهيه قال تعالى{ و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئاً و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون} ( ابن القيم كتاب الوابل الصيب).
و بعد ساعة من الزمن و إذا برسالة من قناة الزوج و التي يشرف عليها مشروع الشيخ ابن باز تقول :نحن في حاجة ماسة إلى الثقة بأن الله جل و علا سيجعل بعد عسر يسرا، و أن أمام كل أزمة ، آفاقاً ممتدة من الخير و الرخاء، و ما تعودناه من عوائد كرم الله و جوده بتفريج الكروب يفسح في تفاؤلنا و آمالنا إلى آماد غير محدودة.
فجاءت هذه المذكرات، فتقشعت سحب الهم و الحزن و انبلج الصبح ، مشرقا باسما
إذا جاء موسى و ألقى العصا فقد بطل السحر و الساحر
مرت يوم الخميس كأي يوم عادي، و إن كان فيه بعض التحسن و لكن لا زالت الآلآم موجودة، وفقدان الشهية، يوم الجمعة كان لا بد من اتخاذ وقفة جادة، فكان القرار الذهاب لمستشفى عرفان في شارع الستين، و لا تنسوا في خضم هذه الأحداث أنه يتوجب علي العودة لمنطقة عملي ، حيث أن الخطة إني أكون في جدة في أجازة نهاية الأسبوع فقط، ثم أباشر عملي يوم السبت، دخلنا إلى المستشفى و سارعوا في أخذ التحاليل اللازمة في مثل هذه الحالات، ثم أدخلوها إلى غرفة مشتركة للإقامة في المستشفى حتى تخول غرفة مفردة، و بالفعل ما هي إلا ساعة حتى خلت غرفة مفردة و انتقلنا إليها.
و من كريم فضل الله و منته علي أن يسر لي أن أقوم على خدمة أمي منذ دخولنا للمستشفى، و كان أول ما فعلته أنني اتصلت على هاتف الخطوط السعودية و قمت بإلغاء حجز العودة، ثم سارعت في متابعة الاجراءات مع شركة التأمين الصحي القائمة على تغطية تكاليف العلاج، وإني لفرحٌ مسرور، أن الله كفاني مؤونة “الطلبات ” في المستشفيات الحكومية، و التي يعاني فيها الإنسان أشد المعاناة حتى يتوفر له الحد الأدنى من الرعاية الصحية، و هو مع ذلك لا تتوفر له إلا بعدما يبذل جزءاً من كرامته في الاتصال بفلان و سؤال فلان، إنه _ في رأيي_ من أعظم البر أن تجد وظيفة تكفيك و والدك و والدتك هذه المؤونة، وتجد ان أمورك ميسرة و مسهلة بفضل الله أولاً و بفضل وظيفنك التي تعمل فيها.
الحمد لله والدتي الآن في وضع جيد، وفيه تحسن ، و أسال الله أن يشافيها مما هي فيه و جميع المسلمين، ولا تنسونا من دعائكم الصالح.
وقفات مما فات:
1/ مستشفياتنا تحولت إلى معارض أزياء، سواءاً من العاملات أو الزائرات، والوضع مزري إلى حد كبير.” بس إنهم يخافون إذا شافو مطوع”.
2/ في الأزمات تتجلى الروابط الاجتماعية و الألفة و المحبة، و اتضح هذا الأمر من جميع العائلة ، أنا و أخواني و خالي و أبي، الصراحة أول مرة أشوف أبوي يغازل أمي قدامنا > صورة وجه مستحي<.
3/ من فضل هذه الأزمة أنه حصل شيء مما يسمى العودة إلى الله بين أخواني ، جعلها الله دوماً بإذنه عز وجل .
4/ في هذه الأزمات صدق أبو الحسن التهامي في مرثيته في ابنه حين قال:
لله در النائبات فإنها صدأ اللئام و صيقل الأحرار
للأسف الناجحون قلة.
5/ اكتشفت أنه السلك عندنا بالوراثة، بعد ما اخذوا احد التحاليل من أمي ، وكان فيه شيء من الألم ، دخلت مع أبي و أختي و أنا فرحان أنه أمي وافقت أصلا على هذا الكشف، لأنها كانت رافضاه من أول ، و أنا فرح مستبشر أقول: عسى ما كان فيه ألم، وإذا أمي من قلبها تقول: لا لا لا ما كان فيه أي ألم، انته ايش رايك؟ طبعا ابوي و اختي ضجوا بالضحك.
تحياتي
رحّال
الأحد العاشر من مايو 2009
- 12 التعليقات »
- ضمن تصنيف خواطر رحّال


